أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

160

شرح مقامات الحريري

ما كنت فيه البارحة ، فإذا هو شيء لا يصبر عنه إلا جاهل ؛ فخرجت . فقال الغلمان : اللّه اللّه ، فإنه أنكر علينا تخليتك ، فوعدتهم أن آتي قبل أن يجيء ، وأن خروجي لعذر ، وفي الحين أرجع . فنهضت إلى الزّبيل فجلست فيه ، فرفع بي إلى موضع البارحة ، فإذا هي قد طلعت ، فقالت : لقد عاودت ، فقلت : ولا أظنّ إلّا أني قد ثقّلت ، فقالت : مادح نفسه يقرئك السلام ، قلت : فهفوة فمنّي بالفضل . قالت : قد فعلنا ، ولا تعد ، فأخذنا في مثل الليلة السالفة من المذاكرة والمناشدة وغريب الغناء منها إلى الفجر . فانصرفت إلى منزلي وصليت ونمت ، فأنبهني رسول المأمون ، فلمّا رآني قال : أبيت إلا مكافأة لنا ! فقلت : واللّه يا أمير المؤمنين ما ذهبت إلى ذلك ، ولكن ظننت أن أمير المؤمنين قد تشاغل عني بلذّته ، وأغفل أمري ، وجاء الشيطان ، فذكّرني أمر تلك الملعونة ، فبادرت قال : فما كان منك ؟ قلت : قضيت الحاجة منها ، قال : فقد انقضى ما كان بقلبك منها ، وواحدة بواحدة ، والبادي أظلم . قلت : بل أنا أظلم ، وإليك المعذرة ، قال : لا تثريب عليك ، فهل لنا في مثل حالنا أمس ؟ قلت : إي واللّه ، فقمنا إلى موضعنا إلى الوقت ، فقال : يا إسحاق ما عزمك ؟ قلت : لا عذر لي ، قال : فعزمت عليك لنجلس حتى أجيء ، فإني عازم على الصّبوح ، وقد نغّصت عليّ منذ يومين ، قلت : فالليلة إن شاء اللّه ، فما هو إلا أن غاب وجالت وساوسي ، فلمّا تذكّرت ما كنت فيه البارحة هان عليّ ما يلحقني من سخطه ؛ فوثبت مبادرا ، فوثب إليّ جند الدار ، وحبست ، فقلت : اللّه اللّه ! إني معلّق البال ببعض ما في منزلي ، فقالوا : ما إلى تركك من سبيل ، فلم أزل أرغّب هذا وأقبّل يد هذا ، ووهبت خاتمي لهذا ، وردائي لهذا ، وخرجت أعد وحاسرا حتى وافيت الزّبيل ، فقعدت فيه ، فرفعت إلى موضعي ، وأقبلت ، فقالت : صديقنا ! قلت : إي واللّه ، قالت : أجعلتها دار مقام ؟ فقلت : جعلت فداك ! حتى الضيافة ثلاث ، فإن رجعت فأنتم في حلّ من دمي . قالت : واللّه لقد أتيت بحجّة ، ثم جلسنا في مثل تلك الحال ، فلمّا قرب الوقت علمت أن المأمون لا بدّ أن يسألني ، ولا يقنع مني إلا بشرح القصّة ، فقلت لها : أراك ممّن يعجب بالغناء ، ولي ابن عمّ أحسن منّي وجها ، وأظرف قدّا ، وأكثر أدبا ، وأنا حسنة من حسناته ، وهو أعرف خلق اللّه بغناء إسحاق الموصلي ، قالت : طفيليّ وتقترح ؟ قلت لها : أنت المحكمة ، قالت : إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكره معرفته ، ثم جاء الوقت فنهضت فلم أصل إلى داري إلّا ورسل المأمون قد هجموا عليّ ، وحملوني حملا عنيفا ، فوجدته على كرسيّ وهو مغتاظ ، فقال : يا إسحاق أخروجا عن الطاعة ! قلت : لا واللّه قال : فما قصّتك وما هذا الانحراف ؟ فأصدقني ، قلت : في خلوة ، فأومأ إلى من بين يديه فتنحّوا فحدثته الحديث وقلت له : قد وعدتها في أمرك ، قال : قد أحسنت ، ولولا ذلك لنكّلت بك ، فقلت : قد سلّم اللّه ، فأخذنا في لذتنا في ذلك اليوم ، وهو لا يسمع مني غير حديثها ، فلم يتمّ النهار إلا والمأمون معلّق القلب ، فلما جاء